اخترنا لكم من المقالات -
الماركسة والعالم المعاصر -
القائمة الرئيسة
الماركسة والعالم المعاصر
-منصور
حكمت-
ترجمة:يوسف
محمد
* لقد سمي انهيار الاتحاد السوفيتي والكتلة الشرقية الاشتراكية نهاية
الاشتراكية. هل ثمة حقيقة خلف هذه الصياغة البرجوازية الرسمية الرائجة حول
هذه التغيرات؟ والى أي مدى يمكن برأيكم القول أن سقوط الكتلة الشرقية أو
التجربة السوفيتية مثّل تجربة فاشلة للشيوعية والاشتراكية؟
منصور حكمت : بقدر تعلق الأمر بالاشتراكية والشيوعية العمالية و بالماركسية
بوصفها الإطار الفكري والنظري لهما، فأن هذه الأحداث لا هي دليل انهيار
الاشتراكية ولا هي نهاية الشيوعية ، إنها انهيار ونهاية طراز معين من
الاشتراكية البرجوازية نموذج رأسمالية الدولة الذي شكّل ركيزتها الأساسية.
إن حقيقة كون الاتحاد السوفيتي ليس بلداً اشتراكياً ، وكون التجربة
السوفيتية غريبة كلياً عن الأفق الماركسي للاشتراكية والشيوعية ، لم تكن
حقيقة معروفة فقط لدى القسم الأعظم ، وفي الواقع لدى أغلبية الفئات التي
كانت تعتبر نفسها شيوعية، بل وحتى أنها كانت معروفة أيضاً لدى مختلف
المفكرين و المتخصصين في شؤون الاتحاد السوفيتي من البرجوازيين. ان التأكيد
الراهن للأيديولوجيا البرجوازية الرسمية على ربط الاتحاد السوفيتي
بالشيوعية والماركسية مجدداً وطمس تلك المجموعة من التحليلات و التفسيرات
التي قدمها حتى الآن الكثيرين من المراقبين والأكاديميين البرجوازيين والتي
تؤكد عكس هذا الادعاء ، هو أحد حراب الحملة الإعلامية في الهجمة الجارية
اليوم ضد الماركسية و الشيوعية العمالية الواقعية على أرضية انهيار القطب
الشرقي. هم يقولون انهارت الاشتراكية كي يفرضوا عليها الهزيمة. ويقولون
انتهت الشيوعية كي يفرضوا عليها التراجع. إنها الأراجيز والأناشيد الحربية
للبرجوازية التي كلما كان صوتها عالياً يصم الأذان اكثر كلما أكدت على
حقيقة خلود الشيوعية كأفق عمالي يقرع ناقوس الخطر في المجتمع البرجوازي .
إن انهيار الكتلة الشرقية في السنوات القليلة المنصرمة لا يعطي بحد ذاته أي
حكم بخصوص الاشتراكية والشيوعية ، لان الاتحاد السوفيتي والقطب الشرقي لم
يكونا يمثلان الاشتراكية والشيوعية بأي شكل من الأشكال اقتصادية كانت أو
سياسية أو إدارية أو أيديولوجية، ومع ذلك فان التجربة السوفيتية بمجملها،
كانت اختباراً غير موفق لثورة أكتوبر العمالية، وسبق أن بينا فيما يخص هذه
المسالة وجهة نظرنا في نشرات ((الماركسية والمسألة السوفيتية)). وبتصوري،
تمكنت الثورة العمالية عام 1917 من انتزاع السلطة السياسية من يد
البرجوازية والانتصار على المساعي السياسية والاقتصادية المباشرة التي
بذلتها الطبقات الحاكمة المتقهقرة في روسيا لإعادة النظام السياسي القديم .
إلا انه عند هذه المرحلة وما تلاها اصبح مصير الثورة العمالية مرتبطاً
ارتباطاً مباشراً بالتغيير الثوري للعلاقات الاقتصادية القائمة وبتطبيق
البرامج الاقتصادي الاشتراكي للطبقة العاملة ، وفي هذا يكمن تخلف الثورة
الروسية عن الاستمرار في تقدمها فقد حلت سيطرة الدولة على الرأسمال وملكية
الدولة لوسائل الإنتاج محل قضية تشريك جميع وسائل الإنتاج وتحويلها الى
ملكية جماعية للمواطنين . وبقيت الأجور، العمل المأجور، النقد، القيمة
التبادلية، وانفصال الطبقة المنتجة عن وسائل الإنتاج على حالها. وفي النصف
الثاني من عقد العشرينات انتهت الأمور الى بناء اقتصاد وطني وفقاً لنموذج
رأسمالية الدولة الذي اصبح، نتيجة قيام الثورة العمالية، البديل البرجوازي
التاريخي الوحيد الممكن للحفاظ على العلاقات الرأسمالية. وحتمت السيطرة
الاقتصادية للرأسمالية، بالضرورة، فرض تراجع على الانتصار السياسي للطبقة
العاملة الروسية أيضا. واستبدلت الحكومة العمالية الثورية في زمن لينين
ببيروقراطية برجوازية حكومية متمركزة في الاتحاد السوفيتي وقوضت الشيوعية
في الاتحاد السوفيتي من قبل التيار القومي – البرجوازي المستند على نموذج
رأسمالي جرى تعديله. واليوم انهارت كل تلك الظاهرة ، غير أن ما يؤكد عدم
نجاح الاشتراكية العمالية هو بروز هذه الظاهرة، وليس انهيارها . وهذا لا
يعود الى ما يجري اليوم والى هذه التحولات.
يمكن الحديث مطولاً عن أسباب هذا الإخفاق والفشل. وباختصار اعتقد بان الدرس
الأساسي في التجربة السوفيتية للماركسيين هو أن الثورة العالمية، كما
أكدتها الماركسية وبشكل خاص بالأخذ بنظر الاعتبار تجربة كومونة باريس،
محكومة بالهزيمة من دون تنفيذ برنامجها الاقتصادي، من دون تحقيق الثورة في
البنية الاقتصادية للمجتمع ، وان أي انتصار سياسي بدون هذه الثورة
الاقتصادية محكوم عليه في خاتمة المطاف بالفشل، فلا يمكن تجزئة الثورة
الاشتراكية، ويجب أن تنتصر بمجملها بوصفها ثورة اجتماعية، غبر أن الثورة في
العلاقات الاقتصادية يجب أن تكون ثورة بمعنى الكلمة وليست فرض إصلاحات
اقتصادية على النظام القائم ، وأساس هذه الثورة هو إلغاء نظام العمل
المأجور وتشريك جميع وسائل الإنتاج والتوزيع . وهذا هو العمل الذي لم يتم
تحقيقه أبداً في الاتحاد السوفيتي.
* هناك فترات مهمة في تأريخ الاتحاد السوفيتي والكتلة الشرقية كانت لها
تأثيرات عميقة على مجمل الحركة المسماة بالشيوعية وعلى نفوذ واعتبار
الاشتراكية، فمحاكمات عقد الثلاثينات، ونشر الخطاب السري لخروشوف حول فترة
ستالين، واحتلال هنغاريا، ومن ثم تشيكوسلوفاكيا كل واحدة من هذه الأحداث
تبعتها موجة من الانفصال عن الماركسية والشيوعية خارج حدود الكتلة الشرقية
نفسها. أما ما نشاهده اليوم له أبعاد لا يمكن مقارنتها بأي من تلك الأحداث،
ما هو تصورك حول هذا المسار السريع لانفصال "الشيوعيين" السابقين عن
الماركسية ؟ والى أي حد يستلزم انهيار الكتلة الشرقية إعادة النظر في
الماركسية؟
منصور حكمت : إن الماركسية هي نقد قبل أن تكون سلسلة من الأحكام والطروحات.
هي نقد المجتمع الرأسمالي. ومن الواضح أن هذا النقد يستند على تحليل عميق
لأسس هذا النظام وتناقضاته الداخلية، وبنظري إن الانفصال عن الماركسية يعني
انفصالاً عن الحقيقة ، ومجيء ألف اتحاد سوفيتي ورحيله لن يغير شيئاً من
انتقادي، كماركسي، للمجتمع القائم ومن تصوري عن المجتمع اللائق بالإنسان
الحر وحول القوة الاجتماعية التي ابحث عنها داخل المجتمع الراهن لإقامة ذلك
المجتمع، فالماركسية هي رؤية عميقة جداَ و منهاج محكم ومنسجم عن المجتمع
الرأسمالي. إنها نقد ورؤية قسم معين من المجتمع، أي الطبقة العاملة بالأجر،
حول العلاقات القائمة. واعتقد أن التحولات التي تعصف بالاتحاد السوفيتي
اليوم ليست وحدها، وإنما جميع الوقائع الاقتصادية والاجتماعية لعالمنا
المعاصر، جميع اهتمامات العالم المعاصر و جميع المسائل التي تثار كمسائل
رئيسية للمجتمع المعاصر في وسائل الإعلام والأوساط الأكاديمية، وفي
المجالات الأخرىً كالأدب والفن وغيرها، اعتقد بأنها تؤكد كلها يومياً على
صحة الرؤية والنقد الماركسي لهذا المجتمع. لقد كانوا يستهزئون بماركس لأنه
اعتبر العلاقات الاقتصادية هي التي تحدد الحياة السياسية والثقافية
للمجتمع، ولكن إذا ما سألت اليوم أي عابر سبيل في الشارع عن سبب تنامي
العنصرية والفاشية والنزعة القومية والجريمة وحتى هبوط هذا الشكل أو ذاك من
فنون الرسم أو الموسيقى فأنه سيربطها فوراً بالأوضاع الاقتصادية. فالملالي
في إيران يرهنون بقاء الدين بدور البنك المركزي و وزارة الصناعة وسعر صرف
الدولار مقابل الريال. الجميع يعلم بان المسألة تدور حول الربح وإنتاجية
العمل، والجميع يعرفون في سريرتهم أية وسيلة هي الدولة ولماذا تشكل الجيوش
وقوات الشرطة. والجميع يعرفون بأن هناك صراعاً دائمياً يدور في قلب المجتمع
بين العامل والرأسمالي، بين المتلقي للأجرة والدافع لها . واتضح أن كل ما
يمت بصلة للحرية والإنسانية في المجتمع اصبح مرهوناً بقدرة العامل والتنظيم
العمالي مقابل الأجهزة الرأسمالية والأحزاب والحكومات التابعة لها. واصبح
التطلع والانتظار من المنظمات العمالية أن تكون معارضة للاستغلال
والاستبداد، ومعارضة للتمييز، وداعية للرفاه الاجتماعي وغير ذلك، هو
التطلع الطبيعي الذي تنتظره الجماهير منها. وصار اسم العامل مرادفاً للحرية
والرفاه واسم البرجوازي مرادفاً للتمييز والغزو، وبتصوري كان القرن
العشرون، قرناً للماركسية ولانتشار الفهم والتحليل الماركسي للعالم
الرأسمالي. لذلك، وبقدر تعلق الأمر بالماركسية كرؤية تدعي المعرفة الحقيقية
للمجتمع، فإنني لست فقط لا أرى سبباً لإعادة النظر في هذه الرؤية، بل
واعتقد بان التحولات العالمية الأخيرة أثبتت لمئات المرات حقانية هذه
الرؤية، غير أن موجة الابتعاد عن الماركسية هذه ليس لها أي ارتباط بحقانية
أو عدم حقانية الرؤية والتفسير الماركسي، فهذا المسار مسار سياسي والخيارات
سياسية وليست علمية. والأمر ليس بهذه الصورة المشيرة الى أن مع التحولات
الأخيرة توهج نور الحقيقة فجأةً، في قلب شخص ما. وصحة أو عدم صحة الرؤية
والتفسير الماركسي عن المجتمع لا يلعب هنا دوراً كبيراً واعتقد بأن أولئك
الذين يسعون الى تغطية هذا التراجع السياسي لليسار على صعيد اجتماعي واسع
بإعادة نظر علمية، هم أبعد ما يكونون عن الرصانة والاتزان، وهم من
المتكسبون المرتزقة. فالحقيقة هي أن الهجمة السياسية والأيديولوجية
البرجوازية على الماركسية و الاشتراكية، بالاستناد على انهيار كتلة
اشتراكية زائفة، قد أوجد ضغطاً سياسياً وإعلاميا كبيراً على الجناح اليساري
للمجتمع. وقد انعكس مسار إقبال المثقفين الإصلاحيين في المجتمع على
الماركسية الذي ميّز المرحلة الممتدة بين انتهاء الحرب العالمية الثانية
وحتى أواسط السبعينات. والأمر يحتاج الى وقت طويل للتمكن من إجهاض هذه
الموجة من الهجوم ويحتاج الى توجيه ضربات عمالية مهمة الى البرجوازية كي
يستعيد المثقف البرجوازي تصوره بأن الادعاء بالماركسية يزيد من اعتباره
وشعبيته. ومع هذه الحقيقة، يجب أن أؤكد بأن قسماً كبيراً من "الماركسيين"
كانوا يتألفون في الواقع من المحتجين والمنتقدين اللااشتراكيين للمجتمع
القائم من الذين تجرعوا على مضض كأس الماركسية نتيجة للنفوذ الواسع
للماركسية داخل الحركات الاحتجاجية المعادية للرأسمالية. فقد حول القوميون،
والاصلاحيون، ودعاة التصنيع في العالم الثالث، ودعاة الاستقلال، و
المعارضون للاحتكارات، والأقليات المضطهدة بشكل عام والفئات مختلفة ،
الماركسية والاشتراكية الى إطار لإعلان احتجاجها ومطاليبها في المجتمع
القائم. بالأمس كانت الصرعة هي الماركسية، فكانوا ماركسيين واليوم "الديموقراطية"
هي الصرعة فتراهم جميعاً يتحلقون حولها ويتطلعون الى أن تحقق لهم
الديموقراطية ورأسمالية السوق الحرة نفس تلك الأهداف والتطلعات. إن انفصال
هؤلاء عن الماركسية في هذه المرحلة أمر وارد واعتقد بأنه أمر مستحسن أيضاً.
فهذا الأمر وعلى الرغم من انه يضيق الخناق على الماركسية ، إلا انه يمهد
الأرضية والأسس لبلورة شيوعية عمالية وماركسية كلياً في العديد من الجوانب.
وبتصوري، ليست هناك ضرورة لإعادة النظر في الماركسية فيما لو جردناها من
الكلائش التي أغرقت السوق لعشرات السنين تحت هذا العنوان بهدف المزايدات
السياسية المختلفة ، والشيء الضروري هو المساهمة التحليلية والنظرية الجدية
للماركسيين على كافة أصعدة النظرية الاجتماعية. فما يزال مكان التفسير
الماركسي شاغراً حول الجوانب المختلفة للمجتمع المعاصر والمسارات الحاسمة
التي يتخطاها العالم المعاصر الآن، والتمسك بالماركسية كرؤية شمولية للعالم
ونظرية اجتماعية لا يعني تكرار الأحكام العمومية للماركسية بشكل معزول عن
الأوضاع الاجتماعية. بل يعني المشاركة، كماركسيين، في النضال الفكري لكل
مرحلة وإبداء الرأي وطرح التحليلات الخاصة بالمعضلات الجديدة التي يطرحها
مسار الحركة التاريخية للمجتمع والنضال الطبقي. إن حاجتنا لا تكمن في إعادة
النظر في الرؤية الحقة والراديكالية الوحيدة في المجتمع، بل في استخدام هذه
الرؤية في تحليل العالم المعاصر ومعضلاته المتنوعة.
* ماذا بشأن لينين واللينينية ؟ ألا تحتاج اللينينية لاعادة النظر ؟ هل
مازلتم تعتبرون أنفسكم لينينيين ؟
منصور حكمت :لقد تغيرت الأوضاع لدرجة بحيث ينبغي قبل الإجابة على مثل هذه
الأسئلة أن نعرف أولاً مقولاتنا. فإذا كان الحديث يدور عن التقييم الواقعي
للينين، وعن صحة وأصالة وجهات نظره وممارسته العملية من منظار ماركسي، وعن
إسهامه في الفكر والممارسة الثورية للطبقة العاملة، وما شابه ذلك، فلابد أن
أقول، إنني بالتأكيد شخص لينيني. واعتقد بأن لينين كان ماركسياً أصيلا وكان
يمتلك في الأساس فهماً صحيحاً عن هذه الرؤية وانه كان قائداً صالحاً للحركة
الاشتراكية للطبقة العاملة العالمية.
إن اللينينية كلقب وتسمية تميز أجنحة وتيارات معينة داخل الحركة المسماة
بالشيوعية، وتأريخها الخاص والمبتدعين الأوائل لهذه التسمية في فترة ستالين
أو التيارات التي أطلقت على نفسها تسمية الماركسية – اللينينية بعد
الانشقاقات اللاحقة عن هذا القطب الرسمي للشيوعية كانت تسعى الى الاستفادة
من هذه العناوين، بالضبط مثل العديد من المصطلحات الماركسية الأخرى، لبيان
اختلافاتها ومصالحها المادية اللااشتراكية على الأغلب، وأعتقد بأن هذه
التيارات لم تسئ الاستفادة من اعتبار لينين فقط، بل ان اللينينية بالمعنى
الذي امتلكه عنها تقف على الجانب المقابل تماماً وبمواجهة هؤلاء "اللينينين".
كما ان خطباء البرجوازية والناطقين باسمها يسعون من جانبهم الى نسب تجربة
الاتحاد السوفيتي بمجملها الى لينين واعتبارها امتداداً طبيعياً للاتجاه
والخط اللينيني، وقد أصبح هذا الأمر أكثر انتشاراً ورواجاً اليوم. انهم
يتناسون أن البرجوازية نفسها انصاعت في حينه، في فترة ثورة أكتوبر،
للاعتراف بمكانة لينين كثوري تحرري وداعية للعدالة. والواقع هو ان
اللينينية لم يكن لها حضور لا في أفكار وممارسات الحزب الحاكم في الاتحاد
السوفيتي أو الصين أو ألبانيا ولا في التجربة الاجتماعية والسياسية
السوفيتية. وان هذا الأحزاب وهذه التجربة بُنيت على المسخ التام والتشويه
الكامل للينين وأفكاره وأهدافه. لقد كان لينين داعية متحمساً للعدالة
والحرية والإنسانية، ولا يمكن إلصاق الدكتاتورية والبيروقراطية والاضطهاد
القومي وطوابير الوقوف لشراء الخبز واللحم به مهما كان.
فيما يتعلق بالفكر والممارسة الثورية الماركسي، يحتل لينين مكانة بارزة،
واعتقد ان مقولات مثل ((اللينينية هي ماركسية عصر الإمبريالية)) وغير ذلك
لا يمكن أن تكون راسخة. يجب تتبع أهمية لينين وإسهاماته الشخصية داخل
الحركة الشيوعية في العلاقة الواضحة التي كان يراها بين النظرية والممارسة
الثورية. وبتصوري مثّل لينين التجسيد الحي والتام على الوفاء لتعبير ماركس
عن الشيوعية بوصفها ((مادية عملية)). ان الإسهام الخاص للينين هو في فهمه
وإدراكه لدور الإرادة الثورية للطبقة العاملة في السيرورة المادية للمجتمع
الرأسمالي وفي فهمه لحدود قدرة العنصر الفعال للثورة العمالية، في كل
مرحلة، على أساس الحقائق الموضوعية والوقائع الاجتماعية. لقد فرض لينين
التراجع على التصورات التكاملية والانفعالية السائدة على تفكير الأممية
الثانية ومنحها نفس التعبير الحي الذي كان يقصده ماركس. إذا أردت ان أوضح
ما أقول ببساطة أكثر، يمكنني القول: ان الاشتراكية السابقة للينين كانت قد
تعلمت على العموم ((ضرورة و حتمية)) الاشتراكية من ماركس . أما لينين فأكد
((إمكانية)) الاشتراكية في هذا العصر وعمل من أجل تحقيقها بصورة عملية، فقد
كان فهم لينين للتاريخ ودور الممارسة الثورية للطبقات في التحولات
التاريخية فهماً ماركسياً عميقاً الى أقصى الحدود. وقد فسح لينين المجال
أمام هذه الممارسة وقام بتنظيمها. إنني أعلم بأن التعابير البرجوازية
الصغيرة اللاحقة الأغلب حول أهمية العنصر المؤثر والممارسة الثورية قد
تحولت الى جذور رئيسية للإرادوية، والعقلية التآمرية في الاشتراكية، الا ان
ابسط مطالعة لتصورات لينين وممارسته السياسية تؤكد براءته من مثل هذه
الإرادوية. لأن للممارسة الثورية، أولا، مفهوم اجتماعي وطبقي عند لينين،
وثانياً، لم يكن لينين يقفز أبدا على الظروف الموضوعية والوقائع الاجتماعية
التي تحدد وتشترط نطاق الممارسة الثورية للطبقة.
وباعتقادي، سيبقى لينين ، المفكر والقائد السياسي والمرجع الثر في تعاليمه
التي لا غنى عنها بالنسبة لكل من لا ينظر الى الاشتراكية كفكرة براقة بل
كقضية عاجلة وعملية، وبالنسبة لكل من يفكر بالتحقيق العملي للاشتراكية
والثورة العمالية.
* أحد الجوانب الرئيسية للهجمة الجارية المعادية للاشتراكية هو الجانب
الاقتصادي. فسقوط الاتحاد السوفيتي أشاع هذا التصور القائل بأن الرأسمالية
والسوق هي أفضل وأرقى النماذج الاقتصادية التي اختبرها المجتمع البشري طوال
تأريخه وأكثرها فاعلية وأقتدراً. ما هو ردكم كماركسي على هذه الادعاءات ؟
منصور حكمت: يجب أن نميز هنا بين موضوعين. الأول هو المقارنة بين النماذج
الرأسمالية المختلفة في الشرق والغرب، والثاني مقارنة الرأسمالية (سواء
كانت تنافسية أو غير ذلك) مع الاشتراكية بوصفها بديلاً اقتصاديا واجتماعي.
فلم تقم الاشتراكية عملياً بالمعنى الذي يقصده الماركسيون في أي مكان حتى
الآن . ولا نعتقد بأنه يمكن إطلاق صفة اشتراكية من المنظار العمالي
والماركسي على النظام الاقتصادي في الاتحاد السوفيتي في أية فترة من
الفترات، وبناء على هذا سأعود لاحقاً الى مسألة الرأسمالية والاشتراكية
وابدأ الآن بالإشارة الى بعض النقاط الخاصة بالنماذج المختلفة للتطور
الرأسمالي في الغرب والشرق.
هل ان الرأسمالية المبنية على سوق والمنافسة هي ((الأفضل والأرقى والأكثر
قابلية للتحقق)) بين النماذج الاقتصادية القائمة حتى الآن بالنسبة للمجتمع؟
من أجل الإجابة المبدئية على مثل هذا السؤال لابد من توفر معايير معروفة
للحكم على محاسن ومساوئ وفاعلية وعدم فاعلية النظم الاقتصادية، فهذه
الكلمات ذات طابع ذاتي وغامضة الى حد كبير لأنها يمكن ان تتغير تبعاً
لأهداف وانتظارات المفسر من النموذج الاقتصادي الذي يقصده، وكان هذا
الموضوع مدار بحث قديم داخل علم الاقتصاد البرجوازي نفسه. فقد كان التطور
الكمي للاقتصاد، التطور التقني، كيفية توزيع الثروة، الركائز الصناعية،
مستوى الاشتغال، جودة السلع، الاكتفاء الذاتي، أو احتلال موقع قوي في السوق
العالمية وغير ذلك تمثل المعايير المختلفة وحتى المتناقضة التي اعتمدتها
المدارس الاقتصادية البرجوازية المختلفة، وكان يتم اعتمادها في تعريف
النماذج الإنتاجية الحسنة والسيئة وتجادلت عليها المدارس الاقتصادية
والأحزاب السياسية البرجوازية المختلفة. وإزاء إطلاق صفات ((الأفضل والأنسب
والأكثر قابلية للتحقق)) على النماذج الاقتصادية، يمكن السؤال ((أفضل وأنسب
)) نموذج اقتصادي بالنسبة لأي مجتمع، في أيّة مرحلة ومع أية معضلات؟ فقد
كانت هذه معضلة قديمة للاقتصاد التنموي بشكل خاص. على سبيل المثال، لم يكن
نموذج السوق الحرة بديلاً ممكناً وناجحاً أبداً بالنسبة للرأسمالية
والبرجوازية الروسية بعد ثورة أكتوبر العالمية. وتأريخ القسم الأعظم من
الدول الأكثر تخلفاً (أو حتى البلدان المشابهة لليابان) يشهد على واقع أن
حتى تكوين السوق الداخلية للعمل والبضاعة في مراحلها الأولية أو إقامة أساس
صناعي بدائي، وكذلك إزالة عقبات ما قبل الرأسمالية وما شابه ذلك لم يكن
ممكناً من دون تدخل على مستوى أعلى في آليات السوق. وتاريخ الرأسمالية
الغربية نفسها مليء بالفترات التي اضطرت فيها الدولة الى التدخل في آليات
السوق من أجل التغلب على الكساد والأزمات و الركود الاقتصادي أو لتجديد
التكنولوجيا. ولا يمكننا اليوم استخدام كلمات مثل المنافسة والسوق الحرة في
تشخيص خصائص الرأسمالية الغربية من دون إجراء تغييرات مهمة في هذه المفاهيم
وذلك لأن الدولة والاحتكارات غير الحكومية تلعب دوراَ أساسياً في توجيه
حركة الرأسمال وفي تحديد المؤشرات الاقتصادية كالأسعار وتركيبة الإنتاج،
ومعدلات النمو، ومستوى الاشتغال وغيرها.
ومع هذا الواقع فأنني أرى بان للمدافعين عن الرأسمالية الغربية كامل الحق
عندما يرجحون النموذج الاقتصادي الغربي على الشرقي وذلك سواء من ناحية
المعايير المفترضة في المجتمع الرأسمالي أو من ناحية المؤشرات الكمية
للنشاط الاقتصادي للقطبين ضمن مقارنة تاريخية أشمل. فلم يتمكن النموذج
الاقتصادي السوفيتي ، بوصفه نموذجاً رأسمالياً معدلاً، من ان يصبح إطارا
ملائماً ومناسباً وناجحاً اكثر لتراكم الرأسمال وتخفيف حدة التناقضات
الداخلية لنمط الإنتاج القائم على الرأسمال. لقد كانت الخاصية الأساسية
المميزة لرأسمالية النموذج السوفيتي هي السعي وراء إزاحة آليات السوق
بواسطة نظام إداري معين، أي ما سمي بالمواجهة بين البرنامج والسوق. من
الممكن القضاء على آليات السوق، ولكن هذا يشترط القضاء على كامل الأسس
الاقتصادية للرأسمالية القائمة أي القضاء على تحول قوة العمل الى بضاعة،
واقامة نظام قيمي كأساس لتبادل وتوزيع المنتجات بين مختلف الأجزاء والأفراد
داخل المجتمع ، والاقتصاد المبني على النقد وغير ذلك قضاءاً تاماً. أما
الاحتفاظ بهذه العلاقات وفي نفس الوقت إزاحة السوق باعتباره إطارا مادياً
لتحديد هذه العلاقات والمقولات بوصفه الآلية التي تربطها بعضها بالبعض، فهو
أمر لا يمكن تحقيقه دون تغيير جدي في حركة ونشاط الرأسمالية . وهو ما حدث
في الاتحاد السوفيتي. فما جرى هناك لم يكن إحلالا للبرنامج محل السوق ، بل
كان عبارة عن إحالة وظائف السوق الى الهيئات الإدارية ذات الصلاحية. في
النظام الرأسمالي يخلق السوق (بغض النظر عن مديات المنافسة والاحتكار)
وظائف معقدة ومتنوعة من مثل: ما الذي يجب إنتاجه، وما هو المقدار الذي
ينبغي إنتاجه، وأي تقنيات يجب استخدامها، وما هو المقدار الذي يجب
استهلاكه، ومن يجب ان يستهلك، وما هي ظروف الإنتاج،و ما هي الأقسام التي
يجب ان تستخدم فيها وسائل الانتاج وقوة العمل وتحت أية ظروف، وما هي قيمة
وثمن البضاعة بدءاً من قوة العمل ومروراً بوسائل الإنتاج والاستهلاك في كل
مرحلة، وما هو النظام الإنتاجي و الإداري الذي يجب استخدامه، وما هي
الحاجات التي يجب تأمينها والحاجات التي يجب التنكر لها، وما هي الوجهة
التي يجب تحريك الاقتصاد نحوها، وما هي وسائل الإنتاج التي يجب الاستغناء
عنها، وما هي التقنيات التي يجب الاستغناء عنه وغير ذلك؟ وبالدرجة التي
ينمو بها المجتمع من الناحية الصناعية والإنتاجية وتكثر وتتنوع المنتجات
والحاجات، بنفس الدرجة يزداد دور السوق تعقيداً اكثر فأكثر. وإزاحة هذه
الآليات وإحالة تحديد هذه المؤشرات والنسب والتحركات الى الهيئات الإدارية
سيؤدي عاجلاً أو آجلاً الى انتكاس الرأسمالية. وقد كان الاتحاد السوفيتي
يدعي لمدة طويلة بأنه، خلافاً للغرب، بعيد عن ظواهر من مثل الأزمات الدورية
والبطالة. ولكن بالنسبة للرأسمالية، تشكل هذه الأزمات والبطالة وفترات
الركود والازدهار الدورية آليات السوق لدمج الرأسمال بالتناقضات الاقتصادية
الأكثر تجذراً. إنها أساليب تطابق الرأسمال مع تطور القوى المنتجة داخل هذا
النظام، إنها الآليات التي تجدد الرأسمالية نفسها عبرها ويرافقها نمو كمي
وكيفي (تكنولوجي) للقوى المنتجة. ان كل النظم الإنتاجية التي تواجدت عبر
التاريخ، و مهما كانت استغلالية وطبقية، هي في خاتمة المطاف نظم لتوسيع حجم
الإنتاج، وتطوير تقنيات الإنتاج، ولإشباع الحاجات الاقتصادية. وإذا كان
هناك اليوم ما يمكن قوله بصدد الاقتصاد السوفيتي، فهو ان هذا النموذج وصل،
في فترة معينة، ومن هذا المنظار، الى طريق مسدود. لقد بينت التجربة
السوفيتية على ان السوق وحده هو أكثر الوسائل فاعلية في المحاسبة
الاقتصادية وتنظيم المعادلات الاقتصادية في النظام الرأسمالي، وانه حتى لو
اصبح بالإمكان، في ظل ظروف خاصة، إبعاد آليات السوق وإحالة وظائفها الى
نظام توجيهي إداري في صنوف اقتصادية معينة، فان التطور التقني وتنوع
الحاجات الإنتاجية والاستهلاكية للمجتمع الرأسمالي سيدفع بهذا النموذج الى
الطريق المسدود على المدى الطويل.
لقد بدأ السوق اليوم بالانتقام من الاقتصاد السوفيتي، فالأزمات الغائبة،
والبطالة المستترة، والقيم التي بولغ في الإبقاء على تدنيها، والصناعات
المدعومة من قبل الدولة وغير ذلك أخلت مكانها فجأةً للبطالة المليونية
والتضخم المذهل والمصانع المتوقفة، وأصبح معلوماً أن منطق السوق كان يعمل
على الضد وبشكل سلبي طوال هذه المدة. لقد أثبت النموذج السوفيتي بعض
الجدارة في النمو الأولي للصناعة في هذا البلد وفي إقامة البنية التحتية
الاقتصادية وذلك أيضا الى حد بعيد بفضل قدرته على التعبئة الأيديولوجية
والسياسية الناشئة عن الادعاء بإرث ثورة أكتوبر العمالية. خصوصاً وأن النمو
الإنتاجي طالما كان يستند أساسا على الاستهلاك الأكثر للقوة الإنسانية
والحصول على فائض القيمة المطلقة وكانت هذه القوة الإنسانية قابلة للتأمين
من الأجزاء الريفية، فأن معضلات هذا النظام لا تظهر على السطح. أما بعد هذه
المرحلة ، وخاصة حينما تزداد أهمية إنتاج فائض القيمة عن طريق تحسين
التقنيات الإنتاجية، وعندما يزداد تنوع حاجات المجتمع استهلاكية كانت أم
إنتاجية، وعندما تزاد أهمية مسأل