يا عمال العالم وشعوبه المضطهدة اتحدوا

في الذكرى 22 لاستشهاد الرفيقين الدريدي وبلهواري إثر المعركة البطولية التي قاداها في غياهب السجون والتي دامت أزيد من أربعين يوما إضرابا عن الطعام، نعلن عن مولد صوت إعلامي جديد لنساهم به إلى جانب المنابر الإعلامية الأخرى في نشر الفكر التقدمي الجاد والهادف

النجمة الحمراء ترحب بكم في موقعها

الصفحة الرئيسة

من وثائق منظمة "إلى الأمام"الوضع الراهن والمهام العاجلة للحركة الماركسية اللينينية  -

القائمة الرئيسة

 

الوضع الراهن والمهام العاجلة للحركة الماركسية اللينينية

إلى الأمام تجربة النضال والثورة
تشتد حاجة الماركسيين في مثل هذه الظروف حين تطرأ على الوضع العام تحولات كالتي نعيشها حاليا، يكون الماركسيون اللينينيون أشد عرضة لاحتمالات الانزلاق في التحليل وتحديد المهام، ولارتكاب الأخطاء. ويكون لزاما عليهم حينئذ إعادة تدقيق رؤيتهم، تحليلهم للوضع وتقييم التحولات الطارئة عليه وتحديد المهام المطلوبة، وذلك عن طريق التشبث بالمنهج الجدلي العلمي في التحليل.
هذا ما أثبته بشكل قاطع عديد من الآراء الخاطئة التي تروج داخل حركة اليسار الماركسي اللينيني حاليا، وبشكل خاص حين انطلاق عمليات الجناح الاتحادي1 التي جرفت عديدا من الرفاق إلى الإعجاب والتبني وحتى محاولة اتهام اليسار بـ”الانتظارية“ و”الإصلاحية“.
وتزداد هذه الحاجة إلحاحا حين تكون الحركة الماركسية اللينينية في طور النشوء والتبلور، ويكون الخط السياسي العام والوضع النظري لمختلف قضايا الثورة في بلادنا ما يزال في أطواره الأولى، حيث يكون بناء تكتيك سديد لهذه المرحلة بأكملها في المسيرة الثورية، أشد صعوبة.
وبصفة عامة فإن معظم التحاليل لليسار الماركسي اللينيني لم تكن تتوفر فيها شروط الوضوح الدقيق للمرحلة التاريخية الراهنة من نمو الصراع الطبقي ببلادنا. فهي غالبا ما تظل مطروحة على مستوى الأحداث اليومية والأحداث الرسمية بصفة خاصة، وفي رد انفعالي اتجاهها، دون أن تربط الأحداث الجارية بالعلاقات الطبقية التي تعبر عنها. ولهذا فهي تتخذ شكل التحليل الصحافي، وتكون وقتية، لأنها لا تنظر إليها ضمن مرحلة تاريخية من نمو الصراع الطبقي لا تشكل الأحداث إلا تعبيرا عنه، ليس بشكل مبسط ومباشر، لكن بشكل معقد وملتوي. وهذا النقص كثيرا ما يضطر الرفاق محاولات الربط بين الأحداث بشكل متعسف وإيجاد الخطوط والعلاقات الوهمية التي تشدها بعضها إلى البعض.
إن الرؤية التي سنسوقها في الصفحات التالية للوضع الراهن، وبصفة خاصة لمهامنا العاجلة، هي محاولة للإسهام في الجهود المبذولة داخل اليسار الثوري من أجل الوصول إلى رؤية أوضح للوضع الراهن وللمهام التي يتطلبها. وبذلك فهي استمرار في نفس العمل الشاق الذي بدأناه من أجل قفزة كيفية في خط وممارسة الحركة الماركسية اللينينية بصفة عامة.

أولا : مميزات الوضع الراهن
يمكن إجمالها في المميزات الرئيسية الأربعة التالية : أزمة النظام، انحلال البرجوازية الوطنية، اندحار الجناح البلانكي البرجوازي الصغير، نمو الحركة الجماهيرية.

1 - أزمة النظام
تشكل أزمة النظام التي ما انفكت تتعمق باستمرار، الميزة الرئيسية الأولى للوضع الراهن. إن آراء مخالفة داخل الحركة الماركسية اللينينية تطمس هذه الأزمة وتطمس تناقضاتها، وترى أن الاتجاه الأساسي للنظام هو جمع قواه، حل تناقضاته وإلتفات مختلف القوى الإمبريالية حوله وتدعيمه، وتصعده للإرهاب والبطش الذي يمارسه ضد نمو الحركة الجماهيرية وضد اليسار الثوري والجناح البرجوازي الصغير البلانكي.
وفي نظرنا أن هذه النظرة خاطئة جدا وهي بعيدة النتائج حول تحديد مجمل الوضع الراهن ومهام الحركة الماركسية اللينينية، وهي غير جدلية - كما سنرى - لأنها لا تنظر لأزمة النظام وتناقضاته في أساسها الموضوعي، في ربطها بتناقضات الإمبريالية من جهة، والحركة الجماهيرية من جهة أخرى.
1 - لقد تردد كثيرا في تحاليلنا الأخيرة أن النظام قد أختار طريقه الفاشي. إن هذه الموضوعة صحيحة تماما، تؤكدها سياسة النظام تجاه الحركة الجماهيرية في الأسابيع الأخيرة التي تميزت بشراسة لم يسبق لها مثيل في قمع الحركة الطلابية، حل منظماتها المناضلة إ.و.ط.م. واعتقال مناضليها، إلى الطرود البريدية الملغومة وعشرات الاختطافات والاعتقالات، إلى إعدام الضباط والاعتقالات الأخيرة في صفوف اليسار الثوري والجناح الاتحادي الانقلابي، وتوقيف الإتحاد الوطني للقوات الشعبية، بالإضافة إلى حجز وقمع الحريات العامة (حجز الصحافة المعارضة، منع التجمعات...).
كل هذا في الوقت الذي يقوم فيه النظام بعملية تدعيم وبناء جهاز بوليسي فاشي بمساعدة خبراء الإمبريالية الفرنسية بصفة خاصة (تأسيس إدارة حماية التراب الوطني DST بقيادة إدريس البصري و”إدارة الوثائق السرية“ بقيادة الدليمي). بيد أن هذه الموضوعة لا تطرح إلا كوصف لسياسة النظام الإرهابية تجاه نمو الحركة الجماهيرية دون أن ترقى إلى مستوى التصنيف العلمي الذي تضمنته كلمة ”الفاشية“ تاريخيا. وهذا ما يتطلب مزيدا من دراسة النظام وتناقضاته الداخلية وارتباطاته بالإمبريالية، وتعميق طبيعة هذا الاختيار الفاشي وعلاقاته بتناقضاته وبنمو تجذير الحركة الجماهيرية وحدوده ضمن أزمة النظام الراهنة واستراتيجية الإمبريالية وتناقضاتها.
2 - لقد نشأت الفاشية تاريخيا في السنوات العشرين من هذا القرن، كحل للأزمة الشديدة للرأسمالية الاحتكارية، من جراء انطلاق المد الثوري البروليتاري الهائل الذي كان يهدد بالعصف بها، والذي دشنته ثورة أكتوبر 1917 الكبرى. وحين عجزت الرأسمالية ببنيتها الليبرالية أن تقف في وجه الزحف الهائل للبروليتاريا ابتداء من أكتوبر 1917، سلكت سياسة الإرهاب والبطش وسيلة لحل هذه الأزمة في صورة الديكتاتورية الاستبدادية.
هذه الأزمة المتعاظمة أيضا بفضل التطاحن بين مختلف الإمبرياليات. فالبرجوازية الألمانية كانت قد عجزت عن فرض إعادة تقسيم ”عادل“ بالنسبة لها للمستعمرات، كما أن البرجوازية الإيطالية واليابانية كانت تبحث عن حل جديد لنموها، إعادة تقسيم جديد للمستعمرات يناسب مطامحها، في وجه الإمبريالية البريطانية والفرنسة والأمريكية. كل هذا يتطلب بناء الديكتاتورية الاستبدادية. وقد استندت الفاشية بشكل أساسي إلى الطبقات الوسطى التي كانت تعاني من البؤس وتفاقم وضعيتها واستطاعت هذه الفاشيات أن تكسب طابعا وطنيا شوفينيا، وأن تملك جذورا اجتماعية أكثر ثباتا وأساسا جماهيريا، حين طرحت نفسه لحل الأزمة الثورية الناشئة التي لم يكن بمقدوره البروليتاريا أن تحسم فيها نتيجة خيانات الأممية الثانية.
3 - كما أن الفاشية الجديدة والنامية في عدة بلدان داخل ما يسمى بالعالم الثالث تملك هذه الجذور. فهي تدخل ضمن الاستراتيجية الجديدة للإمبريالية الأمريكية بصفة خاصة في بناء أنظمة إرهابية قوية، تلعب دور الإمبريالية في قمع وسحق نضالات الشعوب المتنامية، مثل البرازيل داخل أمريكا اللاتينية وإيران في منطقة الخليج العربي وجنوب إفريقيا وتركيا... وهذه الأنظمة ترتكز إلى دعم برجوازيات هذه البلدان، ذات الطبيعة الكمبرادورية، بحيث تتحكم في كل موارد البلاد، وتعتمد على جيش قوي وجهاز بوليسي لإرهابي منظم، يديره خبراء الإمبريالية بطريق غير مباشر عن طريق عملاء C.I.A. أو ”كتائب السلام“، وتدعمها اقتصاديا بالمساعدات والقروض، والبعثات... وتستند هذه البرجوازيات إلى نخب عسكرية منظمة تشكل أساس هذه البرجوازية الكمبرادورية.
4 - في بلادنا نمت الطبقة الحاكمة، بشكل مضاد للبرجوازية الوطنية نفسها، وفي اتجاه نسف أساسها الاقتصادي الموضوعي، بارتباط مباشر مع النهب الاستعماري الجديد. إن إحدى المميزات الرئيسية لدينامكية الصراع الطبقي في بلادنا هي الانحلال والتفسخ المتزايد للبرجوازية الوطنية اقتصاديا وسياسيا، وتمركز كل موارد اقتصاد البلاد في يد أقلية تتقلص قاعدتها الاجتماعية باستمرار - من المعمرين الجدد ووسطاء الرأسمال الأجنبي وعلى رأسهم الملكية المغربية التي تشكل رمز هذه الأقلية الحاكمة وضامن وحدة وتماسك فئاتها.
إن هذا الاتجاه في نمو هذه الطبقة الحاكمة يرجع إلى الإستراتيجية الموضوعة في إيكس ليبان في إطار استراتيجية الإمبريالية المتمثلة في الاستعمار الجديد. فقد استطاعت الإمبريالية الفرنسية أن تصحح خطأها بالتحالف من جديد مع الملكية والطبقة الحاكمة والبرجوازية الوطنية في شكل الاستعمار الجديد، وذلك حين بدأت الثورة الشعبية المنطلقة تحمل بذور نمو جذري لحركة شعبية ديمقراطية مسلحة تهدد بنسف مستقبل مصالح الإمبريالية الفرنسية في بلادنا كلية.
كانت تلك الإستراتيجية تقوم على بناء الطبقة الحاكمة العميلة وعلى رأسها الملكية، الإسمنت الذي يلحم مختلف فئات الطبقة الحاكمة. وتبع ذلك تكسير وتفتيت المنظمات الشعبية ذات الأفق الجذري المتزايد (حركة المقاومة، جيش التحرير) بالقمع الدموي من جهة، والمناورات السياسية من جهة أخرى، في غياب أي استراتيجية، فراغ سياسي هائل لدى هذه المنظمات. ثم إفراغ منظمات العمال النقابية، الإتحاد المغربي للشغل (إ.م.ش) المنبثقة في إطار المعركة الوطنية من مضمونها النضالي على يد البيروقراطية النقابية. كل هذا مع الضمانات الأكيدة للبرجوازية الوطنية بكل أجنحتها، وبتنفيذ من طرف حكوماتها الوطنية، وتحت غطاء الوحدة الوطنية والحماس الوطني .. وتوج ذلك بطرد البرجوازية الوطنية من الحكم على مرحلتين في 1960 و1962، والشروع بشكل لا مثيل له في عملية تصعيد النهب الاستعماري الجديد وتفقير وتشريد الجماهير الكادحة.
5 - ويشكل نمو جهاز الدولة الطفيلي وفساده أيضا الوجه البارز لعملية تكثيف النهب بشكل لا مثيل له، حيث يتوسع ويتضخم جهاز الدولة، نفوذه وهيمنته على كل القطاعات عن طريق ما يسمى بالمكاتب الوطنية بصفة خاصة، مكتب التسويق والتصدير، مكاتب الزراعة، مكتب الري، مكتب الشاي والسكر...
وتشكل سياسة السدود، القائمة على تطوير الرأسمالية في البادية بانتزاع الأراضي من أيدي الفلاحين الفقراء وتحويل المغرب إلى مزرعة لأوروبا، ونمو قطاع السياحة الذي يضمن أرباحا سهلة وسريعة ودون مصاعب للراساميل الأجنبية، أبرز مظاهر مجالات نشاط سياسة الطبقة الحاكمة الاقتصادية القائمة على التبعية المطلقة للإمبريالية ومعادات التصنيع الحقيقي للبلاد والتحرر الاقتصادي.
ويبلغ تضخم جهاز الدولة الطفيلي إلى الحد الذي يمتص في ميزانية سنة 1972 ما يقرب من 600 مليار فرنك من مجموع 1 500 مليار تشكل مجموع الدخل الوطني السنوي. إن نتائج هذه السياسة تتجلى في تمركز الثراء والبذخ لدى الطبقة الحاكمة، وتمركز الفقر والبطالة والجوع والجهل لدى الجماهير الكادحة. فالنظام عاجز عن أي تحسين لوضعية الجماهير ولو في حدود تخفيف حدة البطالة الشديدة أو تعميم ولو جزئي للتعليم من أجل امتصاص مؤقت لنقمتها. وينتج عن ذلك تعمق الأزمة الاقتصادية الدائمة للنظام الدائمة للنظام تسرع به نحو الإفلاس الاقتصادي، أبرز النتائج لهذه الأزمة :
• تراكم الديون بشكل مستمر لتغطية الأزمة.
• الارتكاز إلى إرهاق الجماهير الكادحة بالضرائب المباشرة أو غير المباشرة.
• العجز الدائم في الميزان التجاري.
وتؤدي سياسة النظام هذه إلى تفكيك وتفقير البرجوازية الصغيرة والمتوسطة وخنقها اقتصاديا، ودفع فئات منها إلى صف الجماهير الكادحة، ثم دمجها اقتصاديا وتحويلها إلى أطر في أجهزة الدولة المضخم باستمرار، ثم تفكيكها ودمجها سياسيا.
كل هذا يفقد النظام الأساس الموضوعي لبناء نظام فاشي ذو جذور اجتماعية وطيدة، وليس في مقدوره إلا استعمال الأساليب الفاشية في القمع والإرهاب، لوقف زحف الجماهير المسحوقة.
6 - كما أن محاولات النظام الرامية إلى عملية بناء أساس إيديولوجي لنظام فاشي تمنحه المشروعية في أعين الجماهير، محكوم عليها بالفشل.
إن ارتكاز هذه العملية في عملية الانبعاث الإسلامي، والهيبة الدينية الشعبية لـ”أمير المؤمنين“ و”الإمام“، خلق جماعات الإخوان المسلمين - هذه العملية التي يقودها الكاهن المكي الناصري - تفتقد أسسها الموضوعية، لأنها ترمي إلى إعطاء المشروعية إلى نظام يعيش يوميا قمع وامتصاص دماء الجماهير الكادحة. إن النجاح النسبي الذي لاقته حركة الإخوان المسلمين قبل 1952 بصفة خاصة، داخل الجماهير العربية في الشرق يرجع إلى كونها كانت إيديولوجية معارضة، إيديولوجية تنطلق من موقع نقد الأنظمة الخائنة والمتخاذلة في الشرق. كما أن أفراد الطبقة الحاكمة هم أول من يسيء إلى الدين في سلوكهم اليوم. إن الأوتوقراطية التي تزرع الاضطهاد في كل مكان ولا تحصد إلا الحقد (...) أدت إلى كون مفاهيم ”أمير المؤمنين“ و”الإمام“ تفقد مفعولها الإيديولوجي لدى الجماهير الكادحة (...)
7 - إن عجز النظام المتعفن عن وقف المد الجماهيري المتنامي يهدد مستقبل المصالح الإمبريالية، بحكم تضارب مصالحها في الوطن العربي وفي منطقة غرب البحر المتوسط ذات الأهمية الحاسمة بالنسبة لمختلف الإمبرياليات.
وهذه التناقضات ترتبط بتناقضات الطبقة الحاكمة بحكم عمالتها وتفانيها في خدمة مختلف المصالح الإمبريالية ببلادنا.
إن جوهر التناقض يكمن في الخلاف بين الإمبريالية الفرنسية التي تتمركز مصالحها الإقتصادية الضخمة في بلادنا عن طريق الأبناك الكبرى (وضمنها بنك روتشيلد الصهيوني الكبير) والإمبريالية الأمريكية التي يمثل المغرب بالنسبة لها في الدرجة الأولى موقعا استراتيجيا هاما في إطار الصراع حول مناطق النفوذ مع التحريفية السوفيتية وقمع كفاحات الشعوب المتنامية.
كما أن عملية نهب الصحراء الغربية الغنية بالمواد الهامة وذات الموقع الاستراتيجي الهام هو أحد عوامل هذا التناقض. هذه المنطقة التي تتراكم عليها المؤامرات من كل جانب. فقد تم اكتشاف حقول بترول ضخمة من حجم حقول الخليج العربي، وفي شروط مناسبة للاستخراج. وظل هذا الاكتشاف سريا إلى حين تسوية وضعية المنطقة سياسيا2.
وبالرغم من كون الإمبريالية الفرنسية، التي كانت تنهج في زمن ديغول سياسة شبه مستقلة عن الإمبريالية الأمريكية، قد بدأت تعود تدريجيا ضمن الهيمنة الأمريكية التي تقود المعسكر الإمبريالي، فإن ثقل المصالح الاقتصادية للرأسمالية الفرنسية في بلادنا، وضعفها النسبي من جهة أخرى يجعل منها السند الأساسي للنظام الملكي من أجل إصلاحه ودفعه في طريق ليبرالي أكثر، من أجل امتصاص حركة الجماهير المتصاعدة ونقمة فئات الطبقة الحاكمة نفسها، هذه هي استراتيجية الإمبريالية الرئيسية داخل العالم الثالث.
أما الإمبريالية الأمريكية، فبحكم دورها في قيادة المعسكر الإمبريالي في الصراع ضد المعسكر الاشتراكي وكفاحات الشعوب المتنامية، نتيجة الآلية الاقتصادية والعسكرية الضخمة التي تتوفر لديها، يجعل استراتيجيتها تنبني من جهة على التدخل المباشر (كوريا، الفيتنام، الاووس، الدومينيكان...) ومن جهة أخرى على بناء أنظمة عسكرية فاشية - كما أوضحنا سابقا - تكون قادرة، بقوة الدعم الإمبريالي، على وقف زحف الجماهير الكادحة وضمان المصالح الإمبريالية، والقيام بدور الإمبريالية في سحق بلدان أخرى مجاورة وتستند في ذلك إلى تدعيم وتقوية برجوازيات هذه البلدان سياسيا واقتصاديا، وبناء نخب عسكرية ذات جهاز فاشي ضخم يكون قادرا على تكسير الحركات الثورية وسحق انتفاضات الجماهير، وعلى امتصاص سخط الجماهير في إطار إصلاحات ”وطنية“ لا تضر بالمصالح الاستراتيجية الإمبريالية، والأمثلة الشهيرة واضحة في هذا المجال.
في هذا الإطار يجب وضع انقلابي 10 يوليوز 1971 و16 غشت 1972، الذين ليسا إلا تعبيرا عن استراتيجية الإمبريالية الأمريكية في قلب اوتوقراطية الحسن العاجزة عن القيام بدورها المطلوب في ضمان المصالح الإمبريالية الأساسية، بوقف نمو الحركة الجماهيرية التي يتحول تدريجيا شعار الجمهورية إلى مطمحها المباشر.
فالأوتوقراطية المتعفنة، وهي رمز الطبقة الحاكمة وضمان وحدتها، لم تعد قادرة على القيام بدورها المطلوب في تخدير الجماهير، وتوازن والتحام فئات الطبقة الحاكمة. حيث يقوم حسن وعبد اللـه بشره مخيف بتحويل المغرب إلى ضيعة لهما، وتضييق الخناق على كمشة الطبقة الحاكمة، مما يزيد في رغبة الطبقة الحاكمة في إزاحة عرقلة الأوتوقراطية الطفيلية، وتعويضها بدكتاتورية عسكرية فاشية تضمن مصالح الطبقة الحاكمة وضمان الهيمنة الإمبريالية وتوقف الزحف الجماهيري ونمو القوى الثورية المتزايد.
8 - على مستوى الوطن العربي، فإن عزلة النظام تتعمق بحكم كونه أحد الأنظمة الرجعية التي تمارس التآمر خفية ضد الثورة الفلسطينية طلعة الثورة العربية. أما مهزلة إرسال الجيش إلى سوريا فلن تستطيع ستر خياناته للثورة العربية (...) وتزداد هذه العزلة على مستوى المغرب العربي، أمام تخاذل حسن واتجاهه للمساومة على الصحراء الغربية مع الاستعمار الإسباني، مما يدفع النظام الجزائري والموريتاني الذين يعتبران أنفسهما من الأطراف المعنية باستثمار خيرات المنطقة، إلى الابتعاد عن النظام وبصفة خاصة النظام الجزائري (...) وبالرغم من التحركات الأخيرة (زيارة وزير خارجية الحسن إلى واشنطن..) لتمزيق طوق العزلة، والبحث عن علاقات اقتصادية ومساعدات من الإتحاد السوفييتي، فهي محاولات محكوم عليها بالفشل، ولن تحد من غضب هذه الأطراف على نظام الحسن المتعفن.
9 - كل هذه العوامل تجعل من النظام العميل، موضوعيا، مركز تناقضات متزايدة تتعمق باستمرار، وقابلة للانفجار والعصف به، وتجعل من عملية تغطية وجهه بقناع ليبرالي مزيف محاولة فاشلة. وقد عدل حسن نفسه عن اللعبة البرلمانية بعد أن انكشف زيفها. إلا أن اشتداد هذه التناقضات وانفجارها، لا يمكن أن يتعمق ويتوسع إلا بمقدار نمو الحركة الجماهيرية وجذريتها، واشتداد قوى الثورة العربية في المنطقة، مما يقرب نهاية النظام، ويجعل من مصلحة كل القوى الإطاحة به، وهو الاتجاه الذي بدأت تظهر بوادره لدى الإمبريالية الفرنسية نفسها (التهديد الأخير من طرف النظام بإعادة النظر في في المصالح الفرنسية وحملته على الأساتذة الفرنسيين..)... لا يكفي أن يكون النظام مفككا وضعيفا بل لا بد من تنامي حركة الجماهير حتى يتم تعميق وتوسيع أزمته وعزلته وهذا هو اتجاه الأحداث. وما دامت ساحة الصراع لم تفرز القوة البديلة للنظام ولكل الطبقة الحاكمة، فالبرجوازية الوطنية لا يمكنها أن تكون تلك القوة وفي الوقت الذي لم تبلغ فيه الحركة الجماهيرية - حركة الطبقة العاملة والفلاحين - مرحلة القدرة على الحسم ف الصراع مع النظام، فإن الطبقة الحاكمة سترمي بنظام الحسن العاجز، وستوفر الشروط لتحقيق استراتيجية الإمبريالية في المنطقة، في سحق مد الثورة المتنامي هنا في الجناح الغربي للوطن العربي.
2 - انحلال البرجوازية الوطنية
1) تقدم البرجوازية هذه الأيام دعما سياسيا سافرا للنظام بصورة لم يسبق لها مثيل، في حملته الفاشية المتصاعدة للنظام ضد الحركة الجماهيرية وقواها المناضلة، ابتداء من اليسار الماركسي اللينيني إلى الجناح الاتحادي البلانكي، وإلى الحد الذي تساهم فيه البرجوازية في حفلات النظام دون خجل. ففي الماضي حين كان مناضلو الإتحاد الوطني للقوات الشعبية يعذبون في الفيلات السرية على أيدي جلادي النظام، لم يجد عبد اللـه إبراهيم أ حرج، وهو الزعيم المزعوم للإتحاد الوطني للقوات الشعبية، في حضور حفلة زفاف ”;أمينة“ علانية ومصافحة حسن المجرم. وحين كان المقاومون الحقيقيون يذوقون صنوف التعذيب الجهنمي، كان علال الفاسي المهترئ يجلس إلى مائدة عصمان في حفلة تأسيس المقاومين/العملاء والبوليس3.
وقبل ذلك قامت صحافة حزب الاستقلال بالتحريض والتغطية الدعائية لعملية الحكم في تصفية اليسار الثوري، وبعملية تهجم شديد ضد الفكر الثوري، والبحث عن أفضل الصيغ القانونية لحل منظمة الجماهير الطلابية المناضلة : الإتحاد الوطني لطلبة المغرب. ثم بالصمت المتواطئ في تصفية المناضلين الاتحاديين في الأيام الأخيرة وتوقيف حزب الإتحاد الوطني للقوات الشعبية. أما البيروقراطية النقابية فإنها تقوم بالدور الموكل إليها في تكسير نضالات الطبقة العاملة وإجهاضها بأشد الطرق الفاشية، وبشكل يغدو معه من المستحيل على طبقتنا العاملة إذا هي أرادت أن تحتل موقعها التاريخي في قيادة كفاح شعبنا أن تفصل بين النضال ضد الباطرونات والبوليس وبين النضال ضد عصابات البيروقراطية النقابية.
إنه الانحلال الذي تعرفه البرجوازية الوطنية منذ صفقة إيكس-ليبان المخزية، الانحلال الذي يجعل من هؤلاء السادة في نهاية المطاف قوة احتياطية أخيرة للنظام، كلما احتاج إلى التنفيس عن أزمته المتنامية.
2 - إن الأساس الموضوعي لهذا الانحلال هو التفكك الاقتصادي الشديد للبرجوازية المتوسطة، وهي التي تسمى عادة بالوطنية أو الليبرالية، في بنية النظام التبعية، وهذه إحدى المميزات الرئيسية لدينامكية الصراع الطبقي ببلادنا. ففي نظام التبعية تنعدم الأسس الموضوعية لنمو وازدهار البرجوازية المتوسطة بحكم هيمنة المصالح الإمبريالية الاحتكارية وتحويلها ببلادنا إلى مصدر للمواد الأولية وسوق لمنتوجاتها الصناعية، واستيلاء الكمشة الحاكمة على موارد البلاد واقتصاده. إن نسف الأساس الاقتصادي وتفكيك الأوصال السياسية للبرجوازية الوطنية، كان الشرط الأول بالنسبة لإستراتيجية الاستعمار الجديد منذ استقلال 1956 الشكلي.
وبحكم التخطيط الاقتصادي للاستعمار الجديد لم يكن للبرجوازية المتوسطة إلا مجال هامشي تحت مراقبة جهاز الدولة الطفيلي يتم تضييقه باستمرار. ويتكون من بعض الصناعات الخفيفة والتحويلية وقطاع الخدمات... ينتهي إلى الاندماج تدريجيا في جهاز الدولة الذي يوسع احتكاره وهيمنته على كل اقتصاد البلاد، ويقلص قاعدة البرجوازية المتوسطة ويدفع بأقسام منها إلى خدمة جهاز الدولة في شكل برجوازية تقنوقراطية، وبأقسام أخرى إلى صف البرجوازية الصغرى وحتى إلى الجماهير الكادحة. أما عملية توزيع الأراضي فلا تؤدي مطلقا إلى نموها (أ البرجوازية الوطنية)، لأن هذه الأراضي تبقى ملك بشتى الأشكال (التعاونيات، القروض...) ولا تؤدي إلى نمو فلاحين متوسطين من البرجوازية الصغرى، يلعبون دور صمام أمن بالنسبة لإستحواد الملاكين الكبار على الأراضي.
3) ذلك هو الأساس الموضوعي لهذا الانحلال، والذي يعبر عنه تقلص الأجهزة السياسية البرجوازية إلى فئات من المحترفين السياسيين، لا مستقبل لهم إلا في إطار خدمة النظام كأطر له، وتحويله كقوة احتياطية له.
في بلدان عديدة مما يسمى بالعالم الثالث، استطاعت بعض البرجوازيات الوطنية أن تحقق نموا نسبيا مستقلا في الإطار التبعي بنفسه، وفقا لشروط خاصة، مثل الهند والشيلي... وبنسبة أقل تونس. واستطاعت هذه البرجوازيات نتيجة لذلك أن تقطع أشواطا في بناء أنظمة ليبرالية، بحكم أن هذه البرجوازيات لم تستنفذ شعاراتها الوطنية نهائيا. في بلادنا - كما أوضحنا سابقا - تنعدم هذه الأسس بتاتا، وتنعدم تبعا لذلك أسس تطو ليبرالي في إطار النظام الحالي، وتنعدم بالتالي أسس النضال الديمقراطي الليبرالي. هذا التطور ما تظهره المحاولات اليائسة لبرجوازيتنا في تحقيق ذلك، وهو ما يظهر عبث هذه المحاولات الآن، تلك التي يريد من خلالها عبد اللـه ابراهيم أن يجعل من نفسه ”ألندي“ المغرب، تحت ستار تحليلاته العلمية، وما يظهر أيضا سخافة أوهام علال الفاسي في ملكية دستورية في ظل الحسن ونظامه. إن هذا الانحلال يؤدي إلى انفصال الاتجاهات الجذرية عن هذه البرجوازيات - كما هو الحال بالنسبة للعمليات الأخيرة للجناح الاتحادي البلانكي (...) - أما الاتجاهات المتحجرة والمتعفنة منها التي تظل سجينة أوهامها الإصلاحية والليبرالية فهي ستتحول إلى خدمة النظام في نهاية المطاف وهو التحول التي تبدو بوادره منذ الآن.
3 - اندحار الجناح البلانكي البرجوازي الصغير
1) يشكل اندحار المغامرة الجديدة للجناح البلانكي البرجوازي الصغير، المدعو بجناح البصري الميزة الأساسية للوضع الراهن، بسبب ما تفرضه على اليسار من تقويم لاختياراته وخطته، وبسبب ما يتركه على وعي وتطوير الحركة الجماهيرية من آثار سلبية، وما يفرضه على النظام من تحول في سياسته وتصعيد أساليبه الفاشية. لقد اتضح الآن إلى أي مأزق انقاد إليه هذا الجناح، واتضح أيضا كم هي خاطئة تلك التقديرات المتسرعة التي أفقدت عديدا من المناضلين الرؤية الاستراتيجية السليمة. أوضح هذا أن المأزق لا تسببه أخطاء عسكرية، ولا عدم اختيار الشروط السياسية المناسبة لانطلاق العمل المسلح، بل يرجع في العمق إلى التصور الطبقي البرجوازي الصغير للثورة، الذي يقود إلى النهج التآمري المغامر، يقفز عن حركة الجماهير الثورية وقدرتها على صنع الثورة خلال مسيرة الحرب الشعبية في تحطيم العدو الطبقي وأسياده الإمبرياليين.
2) لم تحمل هذه العملية تحولا جديدا في النهج الإصلاحي-البلانكي المزدوج لدى الجناح الجديد هو تمكن الشبكات هذه من إنجاز بعض عمليات، ومهما كان حجمها وفعاليتها فقد اعتادت المخابرات البوليسية للنظام اصطياد هذه الشبكات بسهولة كبيرة قبل إكمال نموها. هكذا كان الحال في 1963 و1969 وفي غشت 1972. إن كثيرا من الرفاق يحاولون تخطئة تحليلنا السياسي السابق حول مراهنة هذا الجناح على البرلمان والانتخابات. وفي الحقيقة فإن هذا الجناح كان يزاوج دائما بين خط إرهابي تآمري في شكل البحث عن الانقلاب أو تنظيم شبكات تقنية مسلحة لقلب الحكم، وبين خط إصلاحي انتهازي تفاوضي يستعمل كواجهة وتغطية للخط الأول. وهو في الحقيقة توفيق بين فئتين، كل منهما يستخدم الآخر بتنفيذ خطته. ونقص التحليل السابق يكمن في عدم طرحه المراهنة على البرلمان ضمن هذه الازدواجية.
إن من بين أهم التقديرات السياسية التي قادت مجموعة البصري، الذي لا يستفيد من الدروس أبدا، إلى المأزق المأساوي الراهن، الذي يعرفه إرهاب البرجوازيين الصغار في كل مكان وزمان هي :
أ - المراهنة على خلق ظرف ثوري سيجر الجماهير إلى معمعة النضال لإسقاط الملكية وإقامة الجمهورية.
ب - المراهنة على انفجار التناقضات داخل الجيش، في شكل انقلاب يحمل المجموعة إلى السلطة، أو في شكل انضمام قوات الجيش إلى المجموعات المقاتلة.
3) هل يمكن أن تخلق هذه العمليات وضعا ثوريا مناسبا أو ”الثورة“ كما تصرح بذلك إذاعة الجناح من ليبيا ؟
ما هو أو