|
يا عمال العالم وشعوبه المضطهدة اتحدوا |
|
|
|
حول القروض المتناهية الصغرى -
علي
فقير-
لقد انتشرت في السنوات الأخيرة و بشكل سريع ظاهرة
إنشاء مؤسسات مهتمة بتقديم قروض صغيرة للفئات الفقيرة بتبريرات مختلفة و
بغطاء "نساني" أحيانا و بتبريرات " نظرية اقتصادوية" أحيانا أخرى: فمن
السياسي المحلي المرتد إلى رئيس البنك العالمي، مرورا بالرأسماليين،
مصاصي دماء الكادحين، و الحكام الرجعيين و المنظرين البرجوازيين، فكل هؤلاء
مجمعون على مدح سياسة القروض الصغرى، و يبرزون القدرة الخارقة لهذه العصا
السحرية في حل معضلة العطالة بل حل حتى إشكالية التنمية التي تتخبط فيها
الاقتصاديات التبعية. و قد تضاعف هذا الحماس بعد حصول البنغالي، يونس محمد،
على جائزة نوبل ل...السلام (؟) و هو الاقتصادي التكوين.
سأحاول في هذه المقالة إبراز بعض معطيات هذه الظاهرة و خلفياتها النظرية
و انعكاساتها المحتملة ( أو المرغوب فيها من طرف قوى الثورة المضادة) على
وعي الفقراء و مختلف المهمشين و على الصراع الطبقي بشكل عام.
1ـ التعريف و بعض المعطيات .
القروض الصغرى أو المتناهية الصغر، هي قروض تقدم لفقراء ( القرويين
بالأساس )، و تشكل النساء حوالي 80% من المستفيدين بهدف إنشاء مشاريع
تجارية متناهية الصغر تضمن دخلا للمستفيد يساعده على الخروج من دائرة الفقر.
و يدور معدل مبلغ الميكروـ كريدي ( حسب مناطق العالم) حوالي130 دولار
للمشروع. أما نسبة الفائدة فتتراوح بين 2% و 36% ، و يرجع هذا الفرق الشاسع
إلى تنوع الخلفيات الحقيقية للمانحين: إذا كانت الخلفيات سياسيةـ
إيديولوجية دعائية فان الفائدة غالبا ما تكون
ضعيفة، وإذا كانت الأهداف تجارية فان النسبة تكون جد مرتفعة حيث تفوق و
بكثير النسب المعمول بها في القروض البنكية العادية.
يبلغ عدد المؤسسات المختصة في منح هذا النوع من القروض عبر العلم حوالي
000 10 وحدة.
يبلغ عدد المستفيدين حوالي 60 مليون فرد.
تفوق نسبة التسديد ( إرجاع السلف و تأدية الفائدة) 98% و هذه النسبة
مرتفعة مقارنة مع ما يجري في القطاع البنكي العادي..
لقد رصدت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية(الوكالة المدنية الرئيسية
التابعة للحكومة الأميركية التي تقدم " المساعدات" الخارجية)
USAID خلال سنة 2005
حوالي 211 مليون $ لهذا النوع من القروض. و قد جاء في مقالة لدان سولفان
نشر بجريدة "المساء" ، العدد74 " لقد كان لمكتب الوكالة الأميركية للتنمية
الدولية بالمغرب دور مهم في تطوير الخدمات المالية للطبقات الفقيرة من
خلال دعمها المتواصل للبيئة المنظمة للقروض الصغرى و الشراكة التي أقرتها
مع مؤسسات القروض الصغرى المغربية".
لقد منحت الجمعيات العاملة في هذا المجال بالمغرب( و المرخصة لها من طرف
وزارة المالية و الخوصصة ) في السنوات الأخيرة حوالي 7،5 ملا ير الدرهم،
استفد منها حوالي 575000 زبون.
من أهم المؤسسات المغربية في مجال القروض الصغرى " الأمانة"، "زاكورة" ، "الكرامة"...
حصل المغرب على جائزة الأمم المتحدة للقروض الصغرى سنة 2005.
2 ـ الخلفيات النظرية لسياسة الميكرو ـ كريدي:
تندرج هذه السياسة الاقتصادية ـ الاجتماعية في إطار" الدفاع الذاتي ـ
الوقاية ( - prévention
Autodéfense )" للرأسمالية
أمام العواقب المحتملة لتطور الصراع الطبقي و الذي
يشكل الاستغلال و التفقير الجماعي و الهيمنة الإمبريالية... عناصر محركه.
لقد عودتنا الرأسمالية على" تخريجات" جديدة لمواجهة الاضطرابات، إن لم نقل
الأزمات، لربح أكثر من الوقت أمام تقدم الإنسانية نحو مجتمع جديد.
ففي آخر الستينات و بداية السبعينات، و أمام حركات و نضالات الفلاحين
الفقراء في كثير من المناطق العالمية أبدعت الأنظمة الرأسمالية و ذيلياتها
المحلية( إيران الشاه ، المكسيك...) ما سمي بالثورة الخضراء حيث تمت محاولة
خلق طبقة وسطية في البادية من فلاحين وزعت عليهم بعض الأراضي و نظموا في
تعاونيات فلاحية. لقد حاول النظام المغربي تطبيق نفس التجربة في المناطق
الحساسة ( أقاليم القنيطرة، بركان، بني ملال...)، وفي أواسط السبعينات
حاولت الرأسمالية تكسير شوكة المقاومة العمالية بنظرية " مساهمة العمال "
في رأسمال الشركات (Accorder une partie de capital aux
ouvriers) و قد كانت نسبة مشاركتهم
الجماعية لا تتعدى 1% و كان الهدف منها هو إيهام العمال بأنهم يشكلون جزءا
من المساهمين و أنهم سيستفيدون من النتيجة النهائية المرتبطة بإيقاع (
(cadenceعملهم؛ و منذ بداية الثمانينات، التجأ منظرو الرأسمالية إلى
رسم سياسة مكروـ اقتصادية (macroéconomique)جديدة
للبلدان التبعية تحت عنوان " سياسة التقويم الهيكلي"
(P.A.S) في محاولة يائسة للرفع من وتيرة
التنمية و تخفيض نسبة البطالة و تقليص الفوارق الطبقية... و أمام فشل هذه
النظرية على أرض الواقع، ظهرت نظرية جديدة حددت أهدافها في النقط الآتية:
تمكين الفقراء من دخل لإخراجهم من دائرة الفقر المطلق بهدف سحب البساط من
تحت أقدام قوى التغيير الثوري، تحويل سياسة الميكرو ـ كريدي "الاجتماعية ـ
الإنسانية" إلى عملية استثمار واسع يساعد على رفع و وتيرة التنمية
الاقتصادية تعود فائدتها على مختلف الفئات الاجتماعية، و تعطي بالتالي نفسا
جديدا للنظام الرأسمالي. و تشكل هذه السياسة الميكرو ـ الاقتصادية
(micro - économique)دعامة و تكميلا لسياسة المكرو
ـ الاقتصادية (macro-économique)
المتبعة من طرف الدولة.الهدف من هذه السياسات هو محاولة زرع أوهام
داخل الفئات الاجتماعية المستغلة ( بنصب الغين) و داخل مختلف المهمشين و
المحرومين حول قدرة النظام الرأسمال في حل مشاكلهم المستعصية.
3 ـ نمادج من تجارب الميكرو ـ كريدي:
ـ حالة يونس محمد البنغالي: ولد ببنغلاديش سنة 1940 وتابع دراسته
الجامعية بالولايات المتحدة بمنحة أميركية حيث اشتغل كأستاذ الاقتصاد
بجامعة (Vanderbilt)
. و بعد رجوعه إلى بلاده اهتم بالقروض الصغرى التي لا تمنحها
الابناك العادية حيث أنشأ " بنك القرى" (Grameenbank)
التي تتوفر اليوم على 1400 فرع و تشغل 12000 شخص و تغطي حوالي50000
قرية، و منحت لأكثر من 6 مليون زبون حوالي 5 ملايير الدولار. إن نسبة
التسديد تجاوزت 99%. هناك اليوم محاولة لتعميم هذه التجربة في 60 بلد.
ان حصول محمد يونس على " جائزة نوبل للسلام" و ليست "جائزة نوبل للاقتصاد"
( انه أستاذ الاقتصاد وبنكي قبل كل شيء) له مغزى إيديولوجي ـ سياسي واضح:
إن السلام المعني هو السلام الاجتماعي أي السلام الطبقي. إن عدد سكان
بنغلاديش يتعدى 150 مليون نسمة، يعيش 49،8% منها فقرا مطلقا، و يحتل الرتبة
139 في "التنمية الاجتماعية". و توجد بنغلاديش جغرافيا في منطقة جيوـ
بوليتيك (géopolitique)حساسة تحتم على
الامبريالية السهر على "هدوئها" بوسائل اقتصادية
ـ سياسية ـ اجتماعية حتى لا تضطر إلى استعمال الوسائل العسكرية.
ـ حالة دجون براينط
(John Bryant) الاميركي: بعد انتفاضة فقراء
حي سونت سنطرال
(South
Central) بمدينة لوس انجوليس
(Los Angeles) الاميركية
سنة 1992 والتي تسببت في "خسائر " تناهز مليار دولار، قرر براينط، البنكي
الاميركي، الاهتمام بإشكالية الفقر في إطار " عملية الأمل"
(Operation Hope) التي انطلقت سنة 1994
بكلمته المشهورة " أنا رأسمالي لكن بقلب"، كما ظهرت مؤسسة أككسيون
(Accion) التي اهتمت
بالأحياء الفقيرة بثماني مدن أميركية.
4 ـ تقيمات مختلفة.
ـ تقول و بإعجاب، اليزابية ليتلفيلد (
( Elisabeth Littlefield المسؤولة على
قطاع الميكرو ـ التمويل microfinance)
) بالبنك العالمي: " الميكرو ـ التمويل يعرف مرحلة مثيرة"، كما نوه
في المدة الاخيرة، رئيس البنك العالمي، النيوـ المحافظ ( (
néo-conservateur بول والفويتزPaul
Wolfowitz بهذه الظاهرة.
ـ جاء في بلاغ صحفي اصدرته la CNUCED
في 22 اكتوبر 1998 " إن نسبة المرد ودية أكبر من نسب بعض أكبر و
أحسن بنوك العالم"؛ و أعطيت أمثلة Banco Sol
المختصة في الميكرو ـ التموين ببوليفيا و K-Rep
المختصة بكينيا. و هذه دعوة صريحة للبنوك التقليدية للاهتمام بهذا
القطاع الذي أصبح مصدرا جديدا لمراكمة الأرباح و ذلك بالاعتماد على استغلال
قوة العمل بطرق جديدة و افظع من سابقاتها، وبدون كلفات اجتماعية تذكر.
ـ يقول الكاتب و الصحفي SAINATH
المهتم بتجربة أسيا في ميدان الميكرو ـ كريدي أن معدل نسبة الفائدة
اكبر من معدل نسب المعمول بها في الابناك العادية؛ و أن معدل القرض لا
يتجاوز 130$ في الوقت الذي يبلغ ثمن نصف الهكتار من الأراضي الزراعية
المتوسطة الجودة اكثر من 2000$ و أن 130$ لا تسمح للمستفيد الهندي أو
البنغالي شراء لا أرض و لا بقرة؛ و زاد يقول " فب 130 $ لا يمكن لك أن
تحصل حتى على الحد الأدنى للعيش. المبلغ هزيل، نسبة الفائدة مرتفعة و شروط
التسديد جد صارمة". و يزيد " إن الحكومات تحب الميكرو ـ كريدي لأنها تتهرب
من تحمل مسؤولياتها تجاه المواطنين"
ـ يقولMonde Diplomatique du 4/1999) Jean-loup Motchane
( الميكرو ـ
كريدي يشكل محاولة تحقيق " الحدود الدنيا الاجتماعية" المعمول به في بعض
البلدان الرأسمالية المتقدمة ( les minimas sociaux)
و أن التوجه نحو الميكرو ـ كريدي جاء بعد فشل " سياسة التقويم
الهيكلي" ستارا لخوصصة المساعدة المفترض تقديمها للتقدم.
ـ و مما جاء في مقال لعبد اللطيف الرامي الخاص بالمنطقة الشرقية المغربية و
نشر في جريدة " الصباح" ليوم الثلاثاء 31 اكتوبر "و الحقيقة أن هذا الوضع
خلق أزمة حقيقية للمستفيدين و للجمعيات ذاتها، فالمستفيدون أصبحوا غير
قادرين على أداء حصص القروض بل إن بعضهم أصبح متابعا بقروض في كل الجمعيات"
الخلاصة
لقد عجز المنظرون البرجوازيون عن تقديم "وصفات" اقتصادوية جدية في
العقود الأخيرة، فقد اضطر المانحون لجوائز نوبل إلى الرجوع الى "إنتاج"
الستينات لمنح جائزة الاقتصاد للأميركي ادمون فيلبس Edmund
Phelps و ذلك بارتباط مع كتاباته حول سياسات المكرو ـ الاقتصادية
macroéconomie) ) و التي
ترجع إلى الستينات.
إن سياسة الميكرو ـ كريدي هي مسكن (tranquillisant)
اجتماعي و ليست بدواء ضد الفقر و البؤس و الحرمان والمخدرات و
الاستغلال الجنسي... و ضد مختلف العاهات الاجتماعية التي تولدها
الرأسمالية بشكل عام و الرأسمالية التبعية المخزنية( حالة المغرب) بشكل
خاص.
ان سياسة الميكرو ـ كريدي هي محاولة تعطيل عجلة التاريخ و تأخير تجاوز نمط
الإنتاج الرأسمالي كسابقيه من الانمطة.
ليس هناك بديل عن عملية توعية الجائعين و مختلف المحرومين و تنظيم
الكادحين و تسليحهم بنظرية ثورية تنير طريقهم في صيرورة الكفاح على طريق
بناء المستقبل بأياديهم لتحرير الإنسانية من الحاجة .
المحمدية في 18.12.2006
علي فقير
(نشر بجريدة النهج عدد يناير20 07)
|
|
|